الشيخ محمد رشيد رضا

410

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ووراءهما الدرجة الثالثة التي هي أرقى درجات الشرك إذ هي أرقها وأضعفها ، وهي ان يعتقد ان اللّه تعالى هو الخالق لكل شيء القادر على كل شيء ، المتصرف في كل شيء ، ولا يستطيع أحد من دونه شيئا ، ولكن له وسطاء بينه وبين عباده ، يقربونهم اليه زلفى ويشفعون لهم عنده ، فهو لأجلهم يعطي ويمنع ، ويضر وينفع ، ويغفر ويرحم ، ويوجد ويعدم . وهذه هي الدرجة التي ارتقت إليها وثنية مشركي قريش ، فقد حكى اللّه تعالى عنهم في كتابه أنهم يقرون بأنه هو الخالق لكل شيء ، الذي بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ، وأنهم يقولون فيما اتخذوه من دونه من الأولياء ( ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى * هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ) فلما كانوا يعتقدون ان لهم تأثيرا ووساطة في أفعال اللّه تعالى - كدفع الضر وجلب النفع - يدعونهم ويعظمونهم لأجلها ، كان دعاؤهم وتعظيمهم إياهم عبادة ، إذ لا معنى للعبادة الا هذا . ولما كانوا عندهم غير مستقلين بذلك من دون اللّه ، وكان اللّه تعالى - بزعمهم - غير فاعل ذلك بمحض ارادته الأزلية من دون شفاعتهم ووساطتهم سموا شركاء للّه . وأما التوحيد الخالص فهو الايمان الجازم بأن اللّه يفعل ما يشاء ويختار بمحض ارادته الأزلية المنزهة عن تأثير الحوادث فيها ، وان جميع الخلق مسخرون بإرادته وتدبيره ، خاضعون لسننه وتقديره ، لا يملك أحد منهم لنفسه ولا لغيره شيئا ، الا في دائرة الأسباب التي جعلها بينهم شرعا ، وان الواسطة بين اللّه تعالى وعباده محصورة في تبليغ رسالته إليهم ، دون تصرفه فيهم ، وان شفاعة الآخرة للّه وحده ، يأذن لمن شاء إذا شاء بما شاء من الدعاء لمن يشاء ممن ارتضى . ومن دلائل ذلك قوله تعالى لخاتم رسله ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ - قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ - قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ - إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ - قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً * إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ . . قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً - مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ - وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) الخ ولما كانت تلك الوساطة الشركية وهمية لا أثر لها في الوجود وانما هي تقاليد